امرأةٌ من نور ونار … الدكتورة نهلة عيسى استثناء المرأة السورية ومثال للمحبة والعطاء
خاص #النخبة – بارعة جمعة
بيقين المُقاتل المُدافع عن جبهات النار والحرب انطلقت، وإلى غمار المواجهة والمُغامرة حطت رحالها، دونما أي تردد أو خوف .. فالواجب قبل أي شيء والوطن أكبر من كلمة تُقال وتُرددها ألسنة الجمهور، ممن لم يُخف تعارضه مع مبدأ حب الحياة والموضوعية والعمل لأجل المصلحة الوطنية العُليا، كيف وهي ابنة دمشق، المولودة فيها .. ومن عائلة تربت على التضحية والعطاء، دون انتظار رد الجميل، قدوتها أبٌ معطاء لم يبخل يوماً في تقديم الغالي والنفيس، وأمٌ حملت فتياتٍ من رحم المحبة لهن ولرؤيتهن الأفضل على الإطلاق..
الصديقة والرفيقة والأخت والأم الحنونة والأستاذة في كلية الإعلام جامعة دمشق نهلة عيسى، التي حملت ذاكرة عائلة بأكملها في ثنايا خواطرها التي لم تهدأ يوماً عن الحديث عنها، متانة في العلاقة جمعتها مع والدها وأخواتها ممن عرفن بانبساطيتهن وحضورهم الاجتماعي المُختلف بكافة الأنشطة الفنية والسياسية والرياضية والطلابية فترة السبعينات، إلا أن الدكتورة نهلة كانت الأميز على الإطلاق، لمعرفتها مكامن القوة والتميز بكل ما يتعلق بالخبرات المهنية المستقبلية، والتي كانت قاعدة والدها منذ زمن بعيد، الذي شكل نافذتها على العالم ومن الشخصيات شديدة التميز على الصعيد العاطفي والمهني والفكري، لامتلاكه رغبةً شديدةً برعاية كل ما تحبه أو ما تعتقده موهبة فيها مهما كلفه الأمر من نفقات.
لم يكن والد الدكتورة نهلة الراعي لمواهبها فقط، بل المُكتشف لها أيضاً، كيف وهي الأكثر نهماً وحباً للقراءة والإلقاء وللتزود بكل جديد، فكان المُشجع لها أيضاً على تكوين مكتبتها الخاصة، والمُنصت لقراءاتها والفخور بكل ما تقوله، ما أكسبها الثقة بالنفس بعمرٍ صغيرٍ جداً، والقدرة على حشد الرأي وصناعته من حولها، وبالتالي بلورت شخصيتها القيادية، كما كانت أشبه بموسوعة معرفية بسبب قراءاتها الدائمة بمختلف المجالات، ولم تكن تفضل مجالاً معيناً، إلى جانب تجارب شعرية وصفها البعض بالواعدة.
من دمشق إلى حلب مدينة الجمال العمراني والسكاني كانت الوجهة بحكم عمل والدها في السلك العسكري، فكانت تعج بالثقافة، بمعنى أن فيها الكثير من الندوات والأمسيات الشعرية والأنشطة الرياضية، وتحوي صورة مُصغرة عن كل أطياف المجتمع السوري، ما منحها القدرة على التعامل مع هذه الأطياف، وأكسبها شخصيةً متعددة في التعامل مع البشر وفق ما تراه منهم، وبعيداً عن الاعتماد على أحكام مُسبقة، إلى جانب حضورها في مختلف أنشطة اتحاد شبيبة الثورة في مرحلة الإعدادية والثانوية، و جزءاً من الأنشطة المتاحة لكل من هم في عمرها.
بعد المرحلة الثانوية عادت الدكتورة نهلة لمدينتها الأم – دمشق -، لتبدأ رحلة تحقيق الأحلام المُستقبلية، مُتجاوزةً رغبة والدها بدراسة الهندسة ودخولها قسم الصحافة في جامعة دمشق برغبة شخصية منها الذي تم افتتاحه لأول مرة آنذاك، إلا أنه تقبل الأمر بكل أريحية، كما كان القرار صائباً لأنه يتوافق مع قدراتها بالكتابة التي بدأت بها في المرحلة الإعدادية ضمن مقالات نُشرت في جريدة “المسيرة” الصادرة عن اتحاد شبيبة الثورة وقتها، فكانت بمثابة رصيد مبكر لها، لاختزانها كماً كبيراً من المعلومات، والأهم أنها كانت تُجيد توظيفها بشكل صحيح، بطريقة تكييف المحتوى والاستفادة من المعلومات كيفما تريد، ما جعلها مميزة بقسم الصحافة في ثمانينات القرن الماضي، وفتح لها المجال لإتمام دراستها في مستويات أعلى، كما كانت من ضمن المُعيدين الذين تم اختيارهم للحصول على الماجستير والدكتوراه ضمن هذا القسم في مصر.
“أن تكوني امرأة عصية على النمطية يعني أنه لن يناسبك العمل الوظيفي”، وهو ما كانت عليه الدكتورة نهلة عيسى، فقررت أن تمضي بصفتها اُستاذة جامعية، لأنه يتيح لها الاستقلالية بعملها وقراراتها، وبكل ما تعتقده من أشياء، إضافة لصياغة جدولها اليومي ضمن ما يناسب رغباتها عدا عن كونها جزء من تفاصيل الحياة العامة بوطنها، والذي كان من ضمن أهم خياراتها الداخلية.
“أوفدت لمصر لدراسة الماجستير والدكتوراه وكانت نقلة نوعية في حياتي، والمجتمع المصري شبيه بالسوري لكنه أكثر تطوراً، بحكم عدد سكان مصر ومساحتها، ما منحها تجربةً أكثر حداثة من التجربة السورية”، صورة من المرحلة الأكثر تأثيراً بوجدانها ترويها الدكتورة نهلة عيسى ضمن لقائها مع موقع “النُخبة”، سردت عبرها حبها واهتمامها البصري بصناعة الأفلام، لكونها من أوائل من قدم مشروع تخرج بشكل فيلم تسجيلي إلى جانب زميلتها الدكتورة بارعة شقير، فكان مصدر اهتمامها وشغفها، كما سجلت رسالة الماجستير عن الأفلام التسجيلية وبدأت بالانخراط بالمجتمع الثقافي المصري، واصفةً إياه بالغني و الخصب، لاحتوائه على الكثير من الفنانين والمبدعين والشعراء، كما أنه سلسلالٌ ثقافي لا ينقطع، لوجود أجيال مُتعددة بالاختصاص أو الفرع الإبداعي نفسه
كل ذلك أتاح لها التفاعل مع هذا المجتمع من حيث الفن التشكيلي أو الروائي أو القصصي أو السينمائي، وغدت جزءاً لا يتجزأ منه، لدرجة أن الجميع كان يُعاملها كمواطنة مصرية.
لم تنته الإنجازات بعد .. عملت د. نهلة خلال وجودها بمصر كمُساعدة أولى لأهم المخرجين التسجيليين وهو علي الغزولي المعروف بلقب “شاعر السينما التسجيلية العربي”، تعلمت منه الكثير بما يتعلق بصناعة الصورة التي نعيش عصرها اليوم، وعملية بناء الرؤية القائمة على التفكير وأجندة مُسبقة، بما يجعل الصورة ناطقة بما نريد قوله، دون أن تبدو ملامح القصيدة أو العمدية على هذا البناء، لكن لم يمنعها ذلك عن ممارسة الصحافة شغف الطفولة، فكتبت الخبر والتحقيق والتقرير والتعليق، كما مارست كل أنواع العمل الصحفي، الذي أتاح لها الاتصال بنُخبة المجتمع المصري ومحاورتهم .
إرثٌ صحفيٌ كبير في الصحافة المصرية دونته الدكتورة نهلة عيسى، حيث أنها كتبت بـ (الأهرام والقاهرة والعربي) الصادرة عن الحزب الناصري بمصر، امتد بين 6 و 7 سنوات مع تجربتها بالعمل التسجيلي وسفرها أثناء الماجستير والدكتوراه لحضور المؤتمرات والندوات والمهرجانات السينمائية، ما شكل جزءاً كبيراً من وجدانها وعقلها.
“إذا كانت سورية هي الوطن الأم ووطن القلب فمصر لها دور كبير بصياغة وجداني وعقلي وهي أم العقل ولا ينكر الفضل لأصحابه إلا قليل الأصل” مشاعر المحبة والوفاء لمصر كانت بارزة في حديث الدكتورة نهلة، فهي من زودتها بأدواتها المهنية وصاغت لها عالمها الداخلي، وهو عالم شديد الجَمَال والتسامح، بما يتعلق بكل الظواهر والأفعال الإنسانية، إلا أن ذلك لم يُلغِ الجانب الثوري بداخلها والرغبة الدائمة للانتقال لمكان آخر وعالم أفضل، لأننا شعوب تحب الحياة ولا تعتدي على الآخرين.
عودةٌ ميمونة للوطن، حملت معها الدكتورة نهلة عيسى خُلاصة تجربتها الشخصية والمهنية والإنسانية لطُلابها في قسم الإعلام، وظهر اسمها بسرعة باعتبارها أستاذة جامعية مختلفة عن النمط المعروف، وهي صفة لا تزال ترافقها وتُلازمها، صنعت مع طلابها خلال أول 3 سنوات تجربة مميزة و شديدة النجاح، فيما يتعلق ببناء الإنسان، أي ماذا يعني أن تكون إعلامياً؟ وتضيف الدكتورة نهلة شارحة عمق التجربة وجماليتها قائلةً:
“ذهبت معهم لكل مكان .. صورنا وحاورنا وتأملنا وصُغنا تحت عنوان (ماذا حدث للسوريين) أي خلال العشر سنوات الأخيرة ما حدث من تغييرات على المجتمع السوري – اقتصادية سياسية ثقافية فكرية، كانت تجربة ناجحة بكل المقاييس، لكن لم يتم احتضانها من الإدارة الجامعية لشعور البعض بالمنافسة لهم.
“الوطن أولا وثانياً وثالثاً ومن بعده الحياة وكل شيء”، من هنا انطلقت الدكتورة نهلة عيسى في أداء واجبها تجاه المقاتلين والجرحى في الجيش العربي السوري، بزيارات ميدانية ومبادرة شخصية منها، لنقل حب الأم والأب ولهفة الأخ والأخت، ولبث رسائل اطمئنان لدى الطرفين.
(بلسم جراح سورية)، مشروع الجرحى المستمر حتى اليوم، وهو ترجمة حرفية لمقولة تقاسم اللقمة مع أهالي الشهداء ونابع من الاحساس أنه في الحرب الجميع يجب أن يكون وزارة دفاع ووزارة شؤون اجتماعية، فالعمل الجيد لا ينتظر توجيه من أحد، هو نوع من التصالح مع الذات والرضا بكل خطوة.
النظرة للإعلام في سورية لاتزال قاصرة، باعتباره حاملاً لما تقوله الدولة وناقلاً لسياسة الحكومة، ما جعله إعلاماً فوقياً”، توصيفٌ لواقع الاعلام قدمته الدكتورة نهلة عيسى كتعقيب حول إمكانية النهوض به، واصفةً السياسات بأنها لاتزال صوت السلطة وليست واسطة العقد بين الحاكمين والمحكومين، والمواطن فقد ثقته لعدم استجابة أصحاب القرار للإعلام الوطني، وأدخله بمأزق فبات كما يقولون “لا راضي رب ولا راضي عبد”.
متوجهةً لطلاب الإعلام وكل من هو مقبلٌ لهذا المجال بالقول: تذكروا أنكم تعملون بأخطر المهن وأكثرها تأثيراً وسفكاً للدماء .. حاولوا قدرالإمكان ألا تكونوا من القتلة الذين يسفكون دماء الشعوب على الشاشات والمنصات وفي النصوص الصحفية والرسائل الصوتية … حاولوا أن تكونوا ممن يسعون لاكتشافهم بنفس أدواتهم … نحن بعالم من الجحيم و لنخرج منه يجب تعرية هؤلاء القتلة “