“عمر الخيام” الذي عبثوا في سيرته وأفرغوه من مكانته … مزيج أدب وعلم وفلسفة يوحي بتعدد الخيّامين
صاحب رباعيات الخيام وأول من ترجمها، وهو عالم رياضيات كبير جداً وصاحب حساب المثلثات، يعتبره المؤرخون رائداً في اختراع الهندسة التحليلية قبل “رينيه ديكارت” بحوالي خمس قرون ..
وُلد “غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام” في عام 440 من الهجرة، الموافق لعام 1048 من الميلاد، في مدينة “نيسابور” عاصمة إقليم “خراسان” في عهد الدولة “السلجوقية”، وبينما ورث الخيام اسمه من والده الذي كان صانعاً للخيام، فقد ورث من سماء نيسابور ونجومها التي تكاد تلمس قمم الجبال، عشق النجوم والفلك.
الرباعيات.. شعر غير تقليدي بمعان تأملية، إلا أنها بقيت خاملة حتى اكتشفت في القرن التاسع عشر من قِبل الشاعر الإنجليزي “إدوارد فيتزجيرالد” الذي ترجمها إلى الإنجليزية، ومنها تُرجمت إلى لغات أخرى، وكانت قد تُرجمت إلى العربية مباشرة من الفارسية.
لم تكن قصائد الخيام تقليدية، فقد نُظمت بطريقة تُسمى “الرباعيات”، وهي لون شعري عرفه العرب في المشرق والأندلس، وكل رباعية تتكون من أربعة أشطر؛ الأول والثاني والرابع على قافية واحدة، والشطر الثالث من قافية مختلفة.
أول من استخدم الكلمة العربية «شيء» التي تكررت في القرآن الكريم، وقد استخدمها “الخيام” للدلالة على الكلمة التي رسمت في الكتب العلمية البرتغالية (Xay)، وما لبثت أن استُبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها “x” الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول .
إسهاماتٌ عبقرية في الفلك قدمها الخيام، كما وضع تقويماً سنوياً بالغ الدقة، وصفه المؤرخ “جورج سارتن” بالأدق من التقويم الميلادي، إلى جانب تميّزه بعلوم الرياضيات، خصوصاً “الجبر”، وقدّم إنجازات كبيرة، أبرزها تصنيف المعادلات الجبرية إلى معادلات مفردة ومعادلات مقترنة. ولاحقا اهتم كثير من العلماء الأوروبيين بإنجازات الخيام واستفادوا منها على مدى قرون، وصولاً إلى إصدار كتاب بعنوان “رسائل الخيام الجبرية”.
يا عالم الأسرار علم اليقين يا كاشف الضر عن البائسين
يا قابل الأعذار عدنا إلى ظلك فاقبل توبة التائبين
بمثل هذا الشعر اشتهر عمر الخيّام صاحب “الرباعيات” وحجة الرياضيين، حتى ذاع صيته غرباً قبل أن يتردد صدى ذلك شرقاً.
يصف “فيتزجيرالد” شعر الخيام -الذي كان قد مر عليه آنذاك نحو 800 عام- قائلاً: “إنه شعر معجز في معانيه التأملية وإيقاعاته الموسيقية، والغريب في الأمر أن هذا الشاعر لم يكن يحترف الأدب، وإنما كان عالما في الرياضيات والفلك، وكان موسوعيا شأن علماء عصره”.
فيما يرى الباحث في تاريخ الحضارات الراحل “محمد قجّة” أن شعر “الخيام” يقترب من الشعر المشرقي والأندلسي الذي يغلب عليه التأمل الفلسفي، إذ يطرح أسئلة ويحاول الإجابة عليها، ويلفت إلى أن كتاب “الرباعيات” هو الوحيد الذي كتبه الخيام باللغة الفارسية، على عكس كل كتبه الرياضية التي كتبها بالعربية.
بينما يقول “رشدي راشد” أستاذ تاريخ العلوم بجامعة “دنيس ديدرو” الفرنسية:
“إن الخيام هو أول من صاغ نظرية لحل معادلات من الدرجة الثالثة بواسطة القطوع المخروطية، وبهذا فقد قدّم للمرة الأولى بدايات الهندسة الجبرية”.
ويُوضح أستاذ تاريخ الرياضيات “سامي شلهوب” أن الخيام قسّم معادلات الدرجة الثالثة إلى عدة معادلات؛ كل واحدة إلى شكل مخروطي معين، وبأخذ تقاطعهم ينتج الحل، معتبرا أن هذا سبق ذكي ومتقدم جدا في وقته.