في يوم المسرح … رحلة في حياة “رائد المسرح الغنائي العربي” أحمد أبو خليل القباني

على الرغم من الأهمية التاريخية لنشأة المسرح العربي، وهي مظهر أساس من مظاهر حركة النهضة العربية التي انطلقت من بيروت في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تحظَ باهتمام مؤرّخي تلك المرحلة، وتُركت لهواة الفن الذين ساهموا بشكل أو بآخر في خلق وعي زائف عن هذه الظاهرة الحيوية؛ ساهم في تغريبها عن مضمونها الفكري، التنويري الإصلاحي، ووضعها في درجة أدنى من باقي الفنون والآداب التي نشأت في فضاء النهضة.
هنا تغدو الحاجة إلى إعادة الاعتبار للتجارب المسرحية الريادية في سورية العثمانية، نوعاً من إعادة الاعتبار للنهضة نفسها، وفي هذا الإطار، نضع محاولتنا كتابة سيرة أبي خليل القباني، بأدوات البحث التاريخي.
ولد أحمد بن محمد بن حسين آق بيق، الشهير بالقباني، في شهر نيسان عام ١٨٤٢ في حي باب سريجة خارج سور مدينة دمشق، غير أنّ التاريخ الدقيق لميلاده هو ما أثبتته وزارة الخارجية الأميركية في وثائقها استنادًا إلى جواز سفره العثماني، حيث كان عمره ٥١ عامًا حين دخل إلى الولايات المتحدة في شهر نيسان/ أبريل من عام 1893.
أنشأ في حداثته مجتمعَه الخاص المكون من أصدقاء يهوون الطرب والموسيقى، فكان في تلك المرحلة من خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر يعيش حياتين متناقضتين حياته الحقيقية، المفعمة بالموسيقى والأدب، وحياته التي يريدها له والده كطالب علم في الجامع الأموي، حتى تغلّبت الأولى على الثانية، ولم يكمل دروسه في الحلقات الدينية.
في الأول من حزيران عام ١٨٧٥، أعلن مراسل جريدة «ثمرات الفنون البيروتية في دمشق محمد رشيد الجلاد، أن «دمشق الشام، معدن أهل الفضل الكرام، ومحطّ رحالهم، ومحمل ثناء رجالهم، وكعبة آمالهم، ومآل مجالهم، من قديم الزمان، حتى الآن»، شهدت في هذه البرهة تشخيص رواية «درويش مصباح وقوت الأرواح»، تأليف جناب الأديب الفاضل، والشهم الأريب الكامل، أحمد أفندي الدمشقي القباني، فأعجب بها جميع من حضر من قاصي وداني.
العرض المسرحي الثاني للقباني في «دار المسرح العربي» هو مسرحية «عطر شان وورد الجنان»، في شهر أيلول/ سبتمبر على الأرجح من عام ١٨٧٥، بحسب صحيفة «ثمرات الفنون»، وهي المرة الأولى والأخيرة التي يرد فيها ذكر هذه المسرحية بهذا الاسم، ومن المرجح أن يكون القباني قد غيّر اسمها في فترة لاحقة، أثارت حين عرضها ضجة كبرى في دمشق، وانتقلت إلى بيروت، إذ قام مَن اعترض عليها، وشهّر بأبي خليل وبالمسرحية وبمن حضرها.
بعد أقل من عامين، انفردت صحيفة «ثمرات الفنون» بنشر خبر لقاء والي دمشق المعيّن حديثاً، مدحت باشا، مع أبي خليل القباني في نهاية الشهر الأخير من عام ١٨٧٨.
قد يعجبك ايضا
جديد النشاطات